× الرئيسية مقالات مسابقة معرفية قصص الويب اتصل بنا من نحن English

انسحاب الإمارات من اليمن وتداعياته الإقليمية

كيف تغيّرت حسابات الحرب في الخليج

1‏/1‏/2026
مشهد عسكري يرمز إلى انسحاب الإمارات من اليمن
تحول استراتيجي في دور الإمارات داخل اليمن

يمثّل انسحاب الإمارات من اليمن نقطة تحوّل بارزة في مسار الحرب اليمنية، ويكشف عن تغيّر عميق في حسابات التحالفات الإقليمية داخل الخليج. فعلى مدى سنوات، كانت الإمارات شريكًا أساسيًا في العمليات العسكرية إلى جانب السعودية، لكن هذا الدور بدأ يتراجع تدريجيًا قبل أن يصل إلى مرحلة القطيعة السياسية والعسكرية شبه الكاملة.

القرار لم يأتِ فجأة، ولم يكن مجرد استجابة لضغط سياسي آني، بل نتيجة تراكمات طويلة من الخلافات حول إدارة الحرب، وتوزيع النفوذ، وشكل الدولة اليمنية التي يفترض أن تنشأ بعد انتهاء الصراع.

من شريك عسكري إلى لاعب مستقل

عند انطلاق التدخل العسكري في اليمن، ظهرت الإمارات كقوة فاعلة على الأرض، بخلاف أطراف أخرى ركّزت على الغارات الجوية. اعتمدت أبوظبي على قوات محلية درّبتها ومولتها، ونجحت في بسط نفوذها على مناطق استراتيجية في الجنوب، خاصة الموانئ والممرات البحرية.

هذا الدور منح الإمارات تأثيرًا أمنيًا واسعًا، لكنه في الوقت نفسه خلق بنية نفوذ لا تتطابق مع رؤية الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ولا مع الهدف السعودي المعلن بإعادة بناء دولة مركزية موحّدة.

بمرور الوقت، تحوّل هذا التباين إلى مصدر احتكاك دائم.

المجلس الرئاسي والإنذار السياسي

الشرارة الأخيرة التي عجّلت بقرار الانسحاب جاءت مع تصاعد التوتر بين الإمارات والمجلس الرئاسي اليمني المدعوم سعوديًا. المجلس طالب بإنهاء أي وجود عسكري خارجي لا يخضع مباشرة لسلطة الدولة، واعتبر أن بعض التشكيلات المدعومة إماراتيًا تقوّض سيادة القرار اليمني.

من وجهة نظر المجلس، فإن استمرار النفوذ العسكري غير المنسّق يعرقل أي تسوية سياسية شاملة. أما الإمارات، فترى أن الاعتماد على شركاء محليين كان ضرورة فرضها الفراغ الأمني وضعف مؤسسات الدولة.

هذا التناقض في الرؤية جعل استمرار التحالف أمرًا بالغ الصعوبة.

لماذا غيّرت الإمارات استراتيجيتها؟

انسحاب الإمارات لا يعني تراجعًا قسريًا، بل إعادة تموضع محسوبة. هناك عدة أسباب دفعت أبوظبي لاتخاذ هذا المسار، من أبرزها:

  • طول أمد الحرب دون أفق سياسي واضح
  • ارتفاع الكلفة السياسية للتدخل العسكري المباشر
  • تزايد الانتقادات الإقليمية والدولية
  • تحوّل الأولويات نحو الاقتصاد والدبلوماسية

الإمارات، مثل غيرها من القوى الإقليمية، بدأت تراجع جدوى التدخلات العسكرية المفتوحة، وتركّز أكثر على أدوات نفوذ أقل تكلفة وأكثر استدامة.

تصدّع التحالف الخليجي في اليمن

على الرغم من وحدة الصف المعلنة في بداية الحرب، فإن التحالف الإماراتي–السعودي لم يكن متطابق الأهداف. السعودية ركزت على استعادة الدولة اليمنية تحت سلطة مركزية، بينما ركزت الإمارات على الأمن البحري، ومواجهة الجماعات التي تعتبرها تهديدًا طويل الأمد.

مع الوقت، تحوّلت هذه الاختلافات إلى تنافس غير مباشر على النفوذ، خصوصًا في جنوب اليمن. انسحاب الإمارات يعكس اعترافًا بأن استمرار الشراكة العسكرية لم يعد يخدم مصالحها الاستراتيجية.

التأثير على الداخل اليمني

انسحاب الإمارات سيعيد رسم موازين القوى داخل اليمن، لكنه لا يعني نهاية النفوذ الخارجي. من أبرز التداعيات المحتملة:

  1. إعادة ترتيب التحالفات المحلية في الجنوب
  2. زيادة العبء الأمني على السعودية
  3. تصاعد المنافسة بين الفصائل اليمنية
  4. احتمالات محدودة لفتح مسار سياسي جديد

الفراغ الذي قد ينشأ لن يكون طويل الأمد، لكنه سيحمل مخاطر إذا لم يُدار بحذر.

أبعاد إقليمية أوسع

قرار الانسحاب يبعث برسالة واضحة إلى المنطقة: التدخلات العسكرية الطويلة دون تسوية سياسية باتت عبئًا حتى على الدول القادرة ماليًا وعسكريًا. دول الخليج تتجه تدريجيًا نحو سياسات أكثر حذرًا، تفضّل النفوذ غير المباشر على الانخراط العسكري المباشر.

هذا التحول قد ينعكس على أزمات أخرى في المنطقة، حيث تُعاد صياغة مفهوم “القوة” من السلاح إلى الاقتصاد والدبلوماسية.

هل انسحبت الإمارات بالكامل؟

الانسحاب عسكري بالدرجة الأولى. الإمارات لا تزال تحتفظ بعلاقات سياسية واقتصادية، وقد تواصل لعب دور غير مباشر في بعض الملفات. ما تغيّر هو شكل التدخل، لا الاهتمام بالمنطقة.

إلى أين يتجه اليمن بعد الانسحاب؟

انسحاب الإمارات وحده لا ينهي الحرب، لكنه يفرض واقعًا جديدًا على جميع الأطراف. مستقبل اليمن سيعتمد على قدرة القوى المحلية والإقليمية على استغلال هذا التحول لفتح باب الحل السياسي، بدل الانزلاق إلى صراعات نفوذ جديدة.

في المحصلة، انسحاب الإمارات من اليمن ليس نهاية مرحلة فقط، بل بداية اختبار جديد لتوازنات القوة في واحدة من أعقد أزمات المنطقة.