لم تعد الحرب في دارفور تدور فقط حول السيطرة على الأرض أو تحريك القوات البرية، بل دخلت مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة مع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة. هذا التحول لا يغيّر فقط شكل العمليات العسكرية، بل يعيد تشكيل بنية القيادة داخل الجماعات المسلحة، ويترك آثارًا عميقة على المجتمعات المحلية وأمن المدنيين.
الضربات الجوية الدقيقة باتت وسيلة فعّالة لإعادة رسم مراكز النفوذ، خاصة عندما تستهدف شخصيات محورية تلعب أدوارًا أمنية أو قبلية أو تنظيمية. في بيئة مثل دارفور، حيث تتداخل السياسة بالسلاح، والقبيلة بالاقتصاد، فإن غياب شخصية واحدة قد يؤدي إلى سلسلة من الاضطرابات غير المتوقعة.
لماذا أصبحت الطائرات المسيّرة أداة مفضلة في الصراع؟
الطائرات المسيّرة تمنح الأطراف المتحاربة قدرة على الضرب دون احتكاك مباشر، وتقلل الحاجة إلى تحريك قوات كبيرة قد تكون عرضة للهجوم أو الاستنزاف. كما تسمح بجمع معلومات استخباراتية دقيقة، ما يجعل الاستهداف أكثر فاعلية من الناحية العسكرية.
في سياق دارفور، حيث الطرق غير آمنة والمسافات شاسعة، تمثل المسيّرات حلًا عمليًا لتنفيذ عمليات نوعية دون ترك بصمة ميدانية واضحة. لكن هذا “التفوق التقني” يحمل معه ثمنًا إنسانيًا وسياسيًا كبيرًا.
تأثير مباشر على بنية القيادة داخل قوات الدعم السريع
تعتمد قوات الدعم السريع على شبكة معقدة من القادة الميدانيين، والمستشارين الأمنيين، والوسطاء القبليين. هؤلاء لا يقتصر دورهم على التخطيط العسكري، بل يشمل إدارة الولاءات، وتجنيد المقاتلين، واحتواء الخلافات الداخلية.
عندما يتم استهداف شخصية ذات نفوذ، لا تكون الخسارة محصورة في فرد واحد، بل تمتد إلى:
- تعطّل قنوات الاتصال بين القيادة والقواعد
- تصاعد الشكوك الداخلية حول الاختراقات الأمنية
- زيادة النزاعات بين الأجنحة المختلفة داخل القوة نفسها
هذا النوع من الضربات يدفع القيادات إلى التركيز على الحماية الشخصية بدلًا من التنسيق العملياتي، ما يضعف الأداء العام على المدى المتوسط.
البعد القبلي: انقسامات أعمق ومخاطر كامنة
دارفور ليست ساحة صراع عسكري فقط، بل مساحة اجتماعية شديدة الحساسية. القبائل تلعب دورًا محوريًا في دعم أو معارضة أي قوة مسلحة. وعندما يُنظر إلى شخصية مستهدفة على أنها تمثل قبيلة أو تيارًا داخلها، فإن الضربة قد تُفسَّر كاستهداف جماعي.
هذا التصور يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات خطيرة، منها:
- تصاعد الاحتقان داخل القبيلة نفسها بين مؤيدين ومعارضين
- تراجع الثقة بين المجتمعات المحلية والقوات المسيطرة
- زيادة احتمالات الانتقام أو الانشقاق المسلح
في بيئة تعاني أصلًا من هشاشة النسيج الاجتماعي، تصبح هذه التداعيات وقودًا لموجات عنف جديدة.
المدنيون في قلب التحول الأخطر
رغم أن المسيّرات تُسوَّق غالبًا على أنها “أدوات دقيقة”، إلا أن أثرها على المدنيين يتجاوز موقع الضربة. الخوف من الاستهداف الجوي يغيّر أنماط الحياة اليومية، ويؤدي إلى نزوح وقائي من مناطق يُعتقد أنها مراقبة أو مستهدفة.
كما أن الضربات الجوية قد تؤدي إلى:
- تعطّل الأسواق والأنشطة الاقتصادية
- صعوبة وصول المساعدات الإنسانية
- تصاعد العنف الانتقامي ضد مجتمعات يُشتبه بتعاونها مع طرف ما
بهذا المعنى، تصبح المسيّرات عامل ضغط نفسي واجتماعي دائم، وليس مجرد سلاح عسكري.
هل تغيّر حرب المسيّرات مسار النزاع في السودان؟
استخدام الطائرات المسيّرة يشير إلى تحول أوسع في طبيعة الحرب داخل السودان. الصراع يتجه نحو نمط أقل قابلية للاحتواء، حيث يصبح التصعيد أسهل، والتراجع أصعب، والمساءلة أكثر غموضًا.
هذا الواقع يضعف فرص التفاوض، لأن الأطراف تشعر بقدرتها على تحقيق مكاسب دون تقديم تنازلات سياسية. كما يعقّد عمل الوسطاء الإقليميين والدوليين، الذين يجدون أنفسهم أمام حرب تتغير أدواتها بسرعة.
ما الذي يجب مراقبته في المرحلة المقبلة؟
لفهم الاتجاه الحقيقي للصراع في دارفور، هناك مؤشرات أساسية يجب متابعتها:
- تغيرات في أنماط القيادة داخل قوات الدعم السريع
- ردود فعل القبائل المتأثرة بالاستهدافات الجوية
- تحركات المدنيين والنزوح من مناطق يُشتبه بوجود نشاط جوي فوقها
هذه العوامل ستحدد ما إذا كانت حرب المسيّرات ستبقى أداة تكتيكية، أم تتحول إلى عنصر دائم يعيد تشكيل النزاع بالكامل.
لماذا هذا التحول بالغ الخطورة؟
لأن حرب المسيّرات لا تقتل فقط، بل تزرع الخوف، وتُضعف الروابط الاجتماعية، وتخلق نزاعًا طويل الأمد يصعب إنهاؤه. في دارفور، حيث يعاني المدنيون أصلًا من الفقر والنزوح وغياب الخدمات، فإن هذا النوع من الحرب يضيف طبقة جديدة من المعاناة الصامتة.
فهم هذا التحول ليس مهمًا للمتابعين فقط، بل ضروري لأي محاولة جادة لحماية المدنيين أو البحث عن مخرج سياسي مستدام من الأزمة.
