× الرئيسية مقالات مسابقة معرفية قصص الويب اتصل بنا من نحن English

حرب روسيا وأوكرانيا تدخل مرحلة جديدة من المخاطر

كيف تعيد القدرة على الصمود والتكنولوجيا تشكيل الصراع

2‏/1‏/2026
مدني يقف أمام أفق مدينة متأثرة بالحرب
مرحلة الصراع الحالية تتسم بعدم اليقين والصمود

دخلت حرب روسيا وأوكرانيا مرحلة مختلفة عن بداياتها الأولى، مرحلة لم تعد تُقاس فيها التطورات فقط بتقدم الجبهات أو تراجعها، بل بقدرة كل طرف على الصمود طويل الأمد، وإدارة الاستنزاف، وتوجيه الرسائل السياسية والعسكرية في آن واحد. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، بات واضحًا أن هذا الصراع تجاوز كونه مواجهة عسكرية تقليدية، ليصبح اختبارًا شاملًا لإرادة الدول، وتحالفاتها، واقتصاداتها، وحتى مجتمعاتها.

منذ اندلاع الحرب، تغيّرت ملامحها مرارًا. في البداية، سادت التوقعات بحسم سريع، لكن الواقع أثبت أن الصراع يتجه نحو نموذج الحروب الممتدة، حيث تتراجع فكرة الانتصار الخاطف، ويحل محلها منطق “من يستطيع الاحتمال أكثر”.

تحول طبيعة القتال وتبدل أدوات الصراع

لم تعد المعارك محصورة في خطوط تماس واضحة. فقد فرضت التطورات التقنية، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة، نمطًا جديدًا من القتال. هذه الأدوات سمحت للطرفين بتنفيذ ضربات بعيدة المدى، واستهداف بنى تحتية ومواقع حساسة، ما وسّع دائرة التأثير لتشمل مدنًا ومناطق كانت سابقًا بعيدة عن ساحات المواجهة المباشرة.

هذا التحول جعل المدنيين أكثر عرضة لتبعات الحرب، سواء عبر انقطاع الكهرباء، أو تعطّل الخدمات، أو تصاعد القلق اليومي من الهجمات الجوية. ومع مرور الوقت، أصبحت الجبهة الداخلية عنصرًا لا يقل أهمية عن الجبهة العسكرية.

استهداف البنية التحتية كوسيلة ضغط

أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية يتمثل في التركيز على البنية التحتية، خصوصًا شبكات الطاقة والنقل. هذه الاستراتيجية لا تهدف فقط إلى إضعاف القدرات العسكرية، بل تسعى إلى إنهاك المجتمع والاقتصاد، ودفع القيادة السياسية إلى مواقف تفاوضية أقل تشددًا.

في هذا السياق، تحولت محطات الكهرباء والموانئ وخطوط الإمداد إلى أهداف ذات قيمة استراتيجية عالية. فالضربات التي تطال هذه المرافق تترك أثرًا مضاعفًا، إذ تؤثر في الحياة اليومية، وتنعكس على الإنتاج الصناعي، وتزيد من كلفة الحرب على المدى الطويل.

صراع الروايات والإعلام

إلى جانب القتال الميداني، تدور حرب موازية لا تقل شراسة، هي حرب الروايات. كل حادثة كبرى تتبعها موجة من التصريحات المتناقضة، والاتهامات المتبادلة، ومحاولات كسب التعاطف الدولي. في هذا الصراع الإعلامي، لا تُستخدم المعلومات فقط لنقل الوقائع، بل لتشكيل الرأي العام داخليًا وخارجيًا.

تلعب هذه الروايات دورًا حاسمًا في الحفاظ على الدعم السياسي والعسكري من الحلفاء، كما تؤثر في مواقف الدول المترددة التي تراقب تطورات الحرب بحذر.

الدفاع الجوي ومعادلة الردع

مع تصاعد الهجمات الجوية، ازدادت أهمية أنظمة الدفاع الجوي، التي أصبحت رمزًا للصمود بقدر ما هي أداة عسكرية. فامتلاك القدرة على اعتراض الهجمات، وتقليل الخسائر، واستعادة الخدمات بسرعة، يبعث برسالة واضحة مفادها أن الضغط لن يؤدي بالضرورة إلى الانهيار.

في هذا السياق، تُستخدم أنظمة الدفاع ليس فقط لحماية الأجواء، بل لتعزيز الثقة الداخلية، وإظهار الجاهزية أمام الخصم وأمام المجتمع الدولي.

الدبلوماسية في ظل استمرار القتال

رغم حدة المواجهات، لم تختفِ الجهود الدبلوماسية. لكنها باتت أكثر تعقيدًا وحذرًا. فالمحادثات تركز غالبًا على قضايا جزئية، مثل تبادل الأسرى أو القضايا الإنسانية، بدلًا من البحث في تسوية شاملة.

تواجه أي محاولة تفاوضية معضلة أساسية: كيف يمكن إنهاء الحرب دون تقديم تنازلات تُفسَّر على أنها ضعف، أو تؤدي إلى تجدد الصراع لاحقًا؟ هذا السؤال يجعل المفاوضات بطيئة، وهشة، وعرضة للانهيار مع أي تصعيد ميداني.

الآثار الإقليمية والدولية للحرب

لم تقتصر تداعيات حرب روسيا وأوكرانيا على حدود البلدين. فقد امتدت آثارها إلى أسواق الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد، والسياسات الدفاعية للدول الكبرى. وأعادت الحرب إلى الواجهة مفاهيم مثل الأمن الجماعي، والاعتماد على الذات، والاستعداد لسيناريوهات طويلة الأمد.

كما دفعت العديد من الدول إلى إعادة تقييم سياساتها العسكرية والاقتصادية، تحسبًا لتكرار سيناريوهات مشابهة في مناطق أخرى من العالم.

لماذا يبدو السلام بعيد المنال؟

تعود صعوبة التوصل إلى حل نهائي إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها:

  • انعدام الثقة المتراكم بين الطرفين
  • تضارب الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى
  • الضغوط السياسية الداخلية التي تحد من هامش المناورة
  • غياب ضمانات قوية لتنفيذ أي اتفاق محتمل

هذه العوامل تجعل أي تقدم هشًا، وتُبقي احتمالات التصعيد قائمة.

ملامح المرحلة القادمة

من المرجح أن يستمر الصراع بوتيرة متقلبة، تتخللها فترات من التصعيد يعقبها هدوء نسبي. ستظل التكنولوجيا عنصرًا حاسمًا في رسم ملامح المواجهة، فيما تبقى الدبلوماسية حاضرة، ولكن ضمن حدود ضيقة.

في المحصلة، لم تعد حرب روسيا وأوكرانيا مجرد صراع على الأرض، بل أصبحت نموذجًا لحروب العصر الحديث، حيث يتداخل العسكري مع الاقتصادي، والإعلامي مع السياسي، ويصبح الصمود بحد ذاته شكلًا من أشكال القوة.