المصالحة في حرب السودان ومستقبل الصراع
في ظل استمرار الحرب الدامية في السودان، عاد خطاب النصر العسكري ليتصدر المشهد السياسي، مترافقًا مع رسائل متكررة عن “مصالحة وطنية” مفتوحة. هذا التزامن بين لغة الحسم والدعوة إلى التوافق يعكس مرحلة جديدة في الصراع، تتجاوز مجرد المواجهة العسكرية، وتدخل في حسابات مستقبل الدولة السودانية بعد أكثر من عامين من القتال.
الحرب التي اندلعت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية للبلاد، وخلقت واقعًا ميدانيًا منقسمًا، حيث باتت السيطرة موزعة بين أطراف متنافسة، لكل منها مناطق نفوذ وقواعد اجتماعية مختلفة. ومع طول أمد القتال، لم يعد الحديث عن الحسم السريع واقعيًا، ما جعل الخطاب السياسي يتجه نحو البحث عن مخارج موازية للسلاح.
خطاب النصر كرسالة سياسية داخلية
إصرار القيادة العسكرية على التأكيد بأن “النصر قادم” لا يقتصر على رفع المعنويات، بل يهدف إلى ترسيخ صورة الجيش كمؤسسة الدولة الوحيدة القادرة على فرض النظام والحفاظ على وحدة البلاد. هذا الخطاب موجّه بالدرجة الأولى إلى الداخل السوداني، في محاولة لتوحيد الصفوف خلف الجيش، خصوصًا في ظل الانقسامات العرقية والجهوية التي عمّقتها الحرب.
الرسائل الموجهة إلى سكان الأقاليم المتضررة، مثل دارفور وكردفان، تحمل بعدًا إضافيًا، إذ تسعى إلى طمأنة المجتمعات المحلية بأن الدولة لم تتخلّ عنها، وأن مرحلة ما بعد الحرب ستشهد إعادة بناء واستقرارًا، لا مزيدًا من التهميش.
لماذا تُطرح المصالحة الآن؟
طرح ملف المصالحة الوطنية في هذا التوقيت ليس مصادفة. فالحرب أظهرت حدود القوة العسكرية، وأكدت أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة القدرة على الحكم. التجارب السابقة في السودان أثبتت أن إقصاء القوى السياسية والمجتمعية يولّد صراعات جديدة، حتى بعد توقف القتال.
الدعوة إلى المصالحة تُستخدم كأداة سياسية لاحتواء قوى مدنية وقبلية، وإرسال إشارات إيجابية إلى المجتمع الدولي، الذي بات ينظر إلى السودان باعتباره بؤرة أزمة إنسانية مهددة بالانفجار الإقليمي، نتيجة النزوح الواسع وانعدام الأمن الغذائي.
دارفور وكردفان: العقدة الأصعب
لا يمكن الحديث عن تسوية سياسية في السودان دون التوقف عند دارفور وكردفان. هذان الإقليمان شهدا أعنف فصول الحرب، ولا يزالان يعانيان من انهيار الخدمات، وانتشار السلاح، وتفكك النسيج الاجتماعي. سيطرة قوات الدعم السريع على مساحات واسعة من دارفور جعلت المنطقة محورًا رئيسيًا لأي مفاوضات مستقبلية.
أي مصالحة لا تعالج جذور الأزمة في هذه المناطق، مثل النزاعات على الأرض، وغياب التنمية، وانعدام العدالة، ستكون مصالحة شكلية، سرعان ما تنهار مع أول اختبار ميداني.
مصالحة بشروط أم تسوية شاملة؟
الحديث عن “باب مفتوح للمصالحة” لا يعني بالضرورة قبولًا غير مشروط. المؤشرات الحالية توحي بأن المصالحة المطروحة ترتكز على إعادة دمج القوى الراغبة ضمن إطار الدولة التي يقودها الجيش، دون إعادة صياغة جذرية لمعادلة السلطة.
هذا النهج قد يحقق استقرارًا مؤقتًا، لكنه يثير تساؤلات حول مستقبل الحكم المدني، ودور القوى الثورية، ومدى الاستعداد لتقاسم حقيقي للسلطة، وليس مجرد استيعاب سياسي محدود.
البعد الإقليمي والدولي
الخطاب السوداني لا يُقرأ بمعزل عن الضغوط الخارجية. دول الجوار، والمنظمات الدولية، باتت تدفع باتجاه حل سياسي يمنع تفكك السودان، لما لذلك من تداعيات أمنية وإنسانية عابرة للحدود. لذلك، فإن إبقاء لغة المصالحة حاضرة يساهم في تخفيف العزلة الدبلوماسية، وفتح قنوات دعم إنساني وسياسي.
إلى أين يتجه السودان؟
بين خطاب النصر ودعوات المصالحة، يقف السودان عند مفترق طرق. إما أن تُستثمر هذه اللحظة لإطلاق مسار سياسي شامل يعالج جذور الصراع، أو تتحول المصالحة إلى شعار مؤقت يرافق استمرار الحرب بأشكال مختلفة.
المعادلة واضحة: لا سلام دائم دون تسوية سياسية عادلة، ولا استقرار دون إشراك حقيقي لكل مكونات المجتمع السوداني. ما إذا كانت القيادة الحالية مستعدة للانتقال من لغة السلاح إلى لغة الدولة، هو السؤال الذي سيحدد ملامح السودان في السنوات المقبلة.