أزمة غزة الإنسانية 2026: البقاء والجوع والفقدان
لم يبدأ عام 2026 في غزة كغيره من الأعوام. لم يكن هناك حديث عن خطط أو طموحات أو حتى أمنيات بسيطة. دخل العام الجديد على سكان القطاع وهم مثقلون بالجوع، والنزوح، والفقدان، وسط واقع إنساني يُعاد تشكيله بالكامل تحت وطأة الحرب وانهيار مقومات الحياة الأساسية.
بالنسبة لمئات آلاف العائلات، لم يعد السؤال هو كيف سيكون المستقبل، بل كيف يمكن النجاة من اليوم التالي. تحولت الحياة اليومية إلى معادلة قاسية بين الطعام والمأوى والأمان، في بيئة فقدت فيها المؤسسات المدنية قدرتها على العمل بشكل طبيعي، وتراجعت فيها أبسط حقوق الإنسان إلى مستوى الأمنيات البعيدة.
الجوع كحالة دائمة لا طارئة
أحد أخطر التحولات التي شهدتها غزة خلال العام الماضي هو انتقال الجوع من كونه أزمة مؤقتة إلى حالة مستمرة. لم تعد المجاعة حدثًا عابرًا ناتجًا عن ظرف طارئ، بل نتيجة تراكمية لانقطاع الإمدادات الغذائية، وتقييد حركة المساعدات، وتدمير البنية التحتية، واستمرار العمليات العسكرية.
في كثير من مناطق القطاع، بات تأمين رغيف الخبز هو التحدي اليومي الأكبر. العائلات تُجري حسابات دقيقة لتقسيم كميات ضئيلة من الطحين على أيام طويلة، وتلجأ إلى خلط العجين بمواد بديلة لإطالة عمره. الأطفال ينامون أحيانًا دون وجبة كاملة، فيما يتخلى الآباء عن حصصهم الغذائية لتقليل معاناة أبنائهم.
المجاعة في غزة لا تعني فقط نقص الغذاء، بل تعني فقدان الكرامة، والخوف الدائم من الغد، والإجبار على اتخاذ قرارات قاسية لا ينبغي لأي مدني أن يواجهها.
النزوح: حياة مؤقتة بلا نهاية
النزوح الداخلي أصبح السمة الغالبة للحياة في غزة. كثير من العائلات نزحت أكثر من مرة، ومع كل انتقال تفقد جزءًا من ممتلكاتها وخصوصيتها واستقرارها النفسي. الخيام المصنوعة من أغطية بلاستيكية وأقمشة مهترئة تحولت إلى مساكن دائمة، غير قادرة على حماية ساكنيها من البرد أو الأمطار أو الأخطار الأمنية.
هذا الواقع خلق تحديات إنسانية عميقة، أبرزها:
- غياب الأمان داخل أماكن الإيواء
- تفكك الروتين اليومي للأطفال
- توقف التعليم لفترات طويلة
- ضغط نفسي شديد على النساء وكبار السن
لم يعد النزوح مرحلة مؤقتة بانتظار العودة، بل حالة مفتوحة بلا أفق واضح، ما يهدد بتكوين جيل كامل نشأ في ظروف غير مستقرة.
الفقدان الذي لا تعوّضه الأرقام
رغم أهمية الإحصاءات في توثيق حجم الكارثة، إلا أنها تعجز عن نقل عمق المأساة الإنسانية. آلاف العائلات في غزة فقدت جميع أفرادها، فيما بقي ناجٍ واحد فقط من أسر كاملة، يواجه الحياة وحيدًا دون شبكة دعم عائلية أو اجتماعية.
هذا النوع من الفقدان يخلّف آثارًا نفسية طويلة الأمد، خاصة لدى الشباب الذين يجدون أنفسهم فجأة بلا أهل، وبمسؤوليات تفوق أعمارهم. الحزن في غزة غالبًا ما يُؤجل، لأن البقاء على قيد الحياة لا يترك وقتًا للحِداد.
وقف إطلاق نار بلا طمأنينة
رغم الإعلان عن فترات تهدئة ووقف إطلاق نار، إلا أن الشعور بالأمان ظل غائبًا لدى المدنيين. استمرار القصف في بعض المناطق، وعدم وضوح الضمانات، جعلا الثقة بأي تهدئة هشة للغاية. كثير من العائلات ترددت في العودة إلى منازلها المتضررة، خوفًا من تجدّد الاستهداف.
هذا الغموض أثّر أيضًا على عمل المنظمات الإنسانية، حيث أصبحت حركة المدنيين لجلب المساعدات محفوفة بالمخاطر، ما زاد من تعقيد الأزمة بدل تخفيفها.
صمود يتجاوز الوصف… لكن له حدود
غالبًا ما يُشار إلى سكان غزة بوصفهم “صامدين”، لكن هذا الصمود لا يعني غياب الألم أو القدرة اللامحدودة على التحمل. هو صمود قسري، قائم على التكيّف مع واقع غير إنساني، وليس خيارًا طوعيًا.
الصمود يظهر في تفاصيل صغيرة: مشاركة الطعام القليل مع الجيران، محاولة الاستمرار في التعليم رغم النزوح، أو الحفاظ على الروابط الاجتماعية وسط الفقد. لكن من دون حلول جذرية، يتحول الصمود إلى استنزاف طويل الأمد.
آثار بعيدة المدى على المجتمع
أزمة غزة الإنسانية لا تهدد الحاضر فقط، بل ترسم مستقبلًا هشًا للمجتمع بأكمله. من أبرز المخاطر طويلة المدى:
- جيل محروم من التعليم المنتظم
- ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة وسوء التغذية
- انتشار الصدمات النفسية غير المعالجة
- اعتماد اقتصادي طويل الأمد على المساعدات
- اختلال اجتماعي بسبب فقدان عائلات كاملة
إعادة الإعمار، إن بدأت، لن تكون مجرد إعادة بناء مبانٍ، بل إعادة ترميم إنسان ومجتمع فقد الكثير.
ما الذي ينتظره سكان غزة؟
مطالب سكان غزة اليوم ليست سياسية ولا معقدة. هي مطالب إنسانية أساسية: غذاء آمن، مأوى يحمي من الشتاء، رعاية صحية دون خوف، وحياة يمكن التنبؤ بها. إلى أن تتحقق هذه الشروط، سيبقى عام 2026 امتدادًا لأعوام من الصراع، حيث يصبح البقاء هو الهدف الوحيد الممكن.