لم يكن توقف الرحلات من مطار عدن الدولي حدثًا فنيًا عابرًا في قطاع الطيران، بل جاء كإشارة واضحة إلى عمق التوترات السياسية والأمنية التي يعيشها جنوب اليمن. ففي بلد أنهكته الحرب والانقسامات، تصبح البنية التحتية الحيوية، وعلى رأسها المطارات، ساحة مفتوحة لتجاذبات النفوذ، ورسائل سياسية غير معلنة بين أطراف الصراع.
بالنسبة لآلاف اليمنيين، يمثل مطار عدن شريانًا أساسيًا للحياة، سواء للسفر بغرض العلاج، أو العمل، أو التواصل مع العالم الخارجي. وعندما تتوقف الرحلات، لا تتوقف الطائرات فقط، بل تتعطل معها مصالح إنسانية واقتصادية وسياسية، تتجاوز بكثير حدود المطار.
عدن: أكثر من مدينة ساحلية
تحتل عدن مكانة خاصة في المشهد اليمني. فهي ليست مجرد مدينة ساحلية، بل مركز إداري مؤقت للحكومة المعترف بها دوليًا، وميناء استراتيجي، ونقطة اتصال حيوية مع الإقليم والعالم. السيطرة على مطارها تعني، عمليًا، امتلاك قدرة التأثير على حركة الأشخاص، والتمثيل الدبلوماسي، والتدفقات الاقتصادية.
لهذا السبب، تتحول أي إجراءات تنظيمية في المطار، مثل التفتيش أو تغيير مسارات الرحلات، إلى قضايا سياسية حساسة، يُنظر إليها باعتبارها اختبارًا لمن يملك القرار السيادي الحقيقي في الجنوب.
المجلس الانتقالي الجنوبي وتوسيع النفوذ
يلعب المجلس الانتقالي الجنوبي دورًا محوريًا في هذه الأزمة. فمنذ تأسيسه، يسعى المجلس إلى ترسيخ نفوذه العسكري والإداري في المحافظات الجنوبية، مستندًا إلى خطاب سياسي يدعو لاستعادة دولة الجنوب السابقة.
هذا الطموح وضعه في حالة شد وجذب مستمرة مع الحكومة المعترف بها دوليًا، رغم أن الطرفين يقفان، نظريًا، في خندق واحد ضد جماعة الحوثي. ومع توسع عمليات المجلس في محافظات استراتيجية، باتت الخلافات أكثر وضوحًا، وبدأت تنعكس على مرافق حيوية مثل المطارات والموانئ.
الإجراءات الفنية كأدوات سياسية
في الدول المستقرة، تُعد إجراءات التفتيش أو تغيير مسارات الرحلات مسائل تقنية بحتة. أما في اليمن، فهي تتحول بسرعة إلى أدوات ضغط. فرض شروط على رحلات معينة، أو إخضاعها لمسارات تفتيش خارجية، يُفسَّر من قبل أطراف محلية على أنه تقليص للسيادة أو محاولة للحد من نفوذ طرف معين.
هذا التداخل بين الأمن والسياسة يجعل أي قرار إداري عرضة للتأويل، ويزيد من حدة التوتر، خصوصًا في ظل غياب مؤسسات موحدة قادرة على فرض قراراتها بشكل شفاف ومتساوٍ.
الدور الإقليمي وتعقيد المشهد
لا يمكن فهم أزمة مطار عدن بمعزل عن الدور الإقليمي. فكل من المملكة العربية السعودية و**الإمارات العربية المتحدة** لهما حضور وتأثير في الملف اليمني، لكن بأولويات مختلفة.
تركز السعودية على أمن حدودها ومنع أي تهديد قد يمتد من اليمن، بينما أولت الإمارات اهتمامًا خاصًا بالموانئ والممرات البحرية ومكافحة الجماعات المتطرفة. هذا التباين في الأهداف خلق مساحات رمادية استغلتها قوى محلية لتعزيز مواقعها، ما زاد من تعقيد إدارة المرافق الحيوية.
التأثيرات الاقتصادية والإنسانية
تعليق الرحلات لا يمر دون ثمن. فاقتصاديًا، يتضرر قطاع الأعمال، وتتراجع ثقة المستثمرين، وتتأثر حركة الاستيراد والتصدير غير المباشرة المرتبطة بالسفر. وإنسانيًا، يجد المرضى أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى مراكز علاج خارج البلاد، بينما تواجه المنظمات الإغاثية صعوبات إضافية في تنسيق عملياتها.
في بلد يعتمد جزء كبير من سكانه على التحويلات الخارجية والمساعدات، يصبح أي اضطراب في حركة الطيران عامل ضغط إضافي على مجتمع يعاني أصلًا من هشاشة شديدة.
الأمن أم الصراع على النفوذ؟
رغم أن الأطراف المختلفة تبرر مواقفها بدواعٍ أمنية، مثل مكافحة التهريب أو ضبط الموارد المالية، إلا أن تطبيق هذه الإجراءات بشكل انتقائي يثير الشكوك. فعندما تُفرض القيود على مسارات أو وجهات محددة دون غيرها، يتعزز الانطباع بأن الهدف سياسي بقدر ما هو أمني.
هذا الواقع يضعف الثقة في المؤسسات، ويعمق الانقسام بين القوى المحلية، ويجعل من الصعب بناء إدارة مدنية مستقرة للمرافق العامة.
مستقبل مطار عدن في ظل غياب تسوية سياسية
تكشف أزمة المطار حقيقة جوهرية: لا يمكن ضمان استقرار المرافق الحيوية دون معالجة جذور الصراع السياسي. فالحلول الفنية المؤقتة قد تعيد تشغيل الرحلات لفترة، لكنها لن تمنع تكرار الأزمات ما دامت السلطة منقسمة، والشرعية موضع خلاف.
إن استقرار مطار عدن، وغيره من المرافق، مرتبط بوجود إطار سياسي واضح يحدد من يدير، ومن يقرر، ومن يحاسب.
خلاصة المشهد
تعليق رحلات مطار عدن ليس حادثة منفصلة، بل انعكاس لصراع أعمق على السلطة والشرعية في جنوب اليمن. وبينما يدفع المواطن العادي ثمن هذه التجاذبات، تستمر الأطراف المتنافسة في استخدام البنية التحتية كورقة ضغط.
إلى أن تتضح ملامح تسوية سياسية شاملة، ستظل المطارات والموانئ في اليمن عرضة للتعطيل، وسيبقى الاستقرار الحقيقي هدفًا مؤجلًا، تحكمه موازين القوة أكثر مما تحكمه القوانين والمؤسسات.
